أحمد أمين

25

كتاب الأخلاق

الوقوف نتعلم الارتكاز على رجل واحدة عند اتجاه الأخرى إلى الأمام ، ثم تغيير الارتكاز من رجل إلى رجل عند تقدم الأولى . ومع هذه الصعوبات نجد أن العمل بتكريره واعتياده يصير في غاية السهولة ، ويكفي توجيه فكرنا إلى المكان الذي نريده لتتحرك أرجلنا وتسير من غير صعوبة ، ومن غير تفكير في كيف نمشي . وأعجب من هذا وأصعب « الكلام » ، فإنا نقضي سنين في تعلمه وتحتاج إلى استعمال عضلات الحلق والشفة والحنك واللسان ، وقد نحتاج في النطق بالكلمة الواحدة إلى استعمال كل هذه العضلات ، ويتدرج الطفل من النطق ببعض الحروب السهلة إلى الصعبة ، حتى تتكون العادة فيصبح قادرا على التكلم من غير إحساس بصعوبة ما . 2 - توفير الزمن والانتباه : والعادة توفر الزمن والانتباه ، فعند ما يتكرر العمل ويصير عادة يعمل في زمن أقل ولا يحتاج إلى تنبيه كثير ، مثال ذلك الكتابة : فعند تعلمها كانت كتابة سطر واحد تستغرق زمنا طويلا وتحتاج إلى انتباه تام واستحضار للفكر كله ، فلما صارت عادة استطاع الإنسان أن يكتب صفحات في زمن كان يكتب فيه سطرا أو أقل ، كما أنه استطاع أن يكتب وفكره مشغول بشيء آخر ، ومثل الكاتب الموسيقي وكل صانع ، فحياتنا تتضاعف مئات من المرات بالاعتياد . ويوضح ذلك المقارنة بين اليد اليمنى واليد اليسرى ، فالعادة هي التي جعلت اليد اليمنى أمرن ، وقصرت زمن ما تعمله ، ولو فقدها الإنسان لاستطاع أن يعمل بيسراه ما كانت تعمله يمناه ؛ ولا سيما إذا فقدها قبل أن تتصلب أعضاؤه ، بل كثيرون يفقدون كلتا يديهم فيتعودون أن يعملوا بأقدامهم ، كما كانوا يعملون بأيديهم . قوة العادة : كثيرا ما يعبرون عن قوة العادة بقولهم : « العادة طبيعة ثانية » ، يعنون بذلك أن لها من القوة ما يقرب من « الطبيعة الأولى » . والطبيعة الأولى هي ما ولد عليه الإنسان وفطر عليه ، فكل إنسان خرج من هذا العالم كآلة مجهزة بكثير من العدد : عين تبصر وأذن تسمع ومعدة تهضم وغرائز فطرية وهكذا ؛ فهذا الذي ولدنا عليه